عيد السدر
تنويه هام
هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.
القصة بدأت في مكان اسمه عين السدر، قرية صغيرة معزولة تماماً، البيوت هناك قديمة ومبنية من الحجر الأسود بطريقة تجعلها تبدو كأنها مهجورة حتى لو كان أصحابها في الداخل. الليل في تلك القرية مرعب بشكل لا يمكن وصفه، بمجرد أن تبدأ الشمس بالمغيب، ينقطع كل أثر للحياة، الناس يغلقون أبوابهم بالمزاليج الحديدية الضخمة من الداخل قبل الساعة السابعة مساءً، ولا تجرؤ عائلة واحدة على فتح نافذة أو حتى النظر إلى الخارج بعد هذا الوقت، الخوف هناك ليس من لصوص أو حيوانات برية، بل من أشياء أخرى غامضة ترتبط بظلمة الليل وتاريخ القرية القديم. كنت قد استأجرت بيتاً قديماً يقع على أطراف القرية، بعيداً عن أقرب جار لي بمسافة طويلة، كنت أحتاج إلى العزلة التامة لأجل إنهاء كتابة روايتي الجديدة التي تعثرت في كتابتها منذ أشهر بسبب صخب المدينة، البيت كان يعود لفترة الستينيات، سقفه مرتفع جداً وتتدلى منه ثريا نحاسية قديمة تصدر رنيناً مزعجاً مع كل حركة ريح، وجدرانه كانت سميكة لدرجة غير طبيعية تعزل أي صوت قادم من الخارج بشكل يثير الوحشة والقلق في كثير من الأحيان. الأيام الأولى مرت بهدوء رتيب عادي، لكن كل شيء انهار تماماً في الليلة الخامسة.
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل بقليل، كنت جالساً بمفردي أمام طاولة المكتب الصغيرة، وشاشة المحمول تضيء وجهي في الغرفة المظلمة، الهدوء كان مسيطراً على المكان تماماً لدرجة أن صوت دقات ساعتي اليدوية كان يبدو عالياً ومزعجاً بشكل يثير التوتر في أعصابي، فجأة وبدون أي مقدمات، شعرت بنوع مختلف من الصمت، صمت غريب وثقيل جداً، كأن الهواء في الغرفة تجمد أو أصبح كثيفاً لدرجة تجعل عملية التنفس صعبة وتحتاج جهداً، ثم سمعت ذلك الصوت لأول مرة، لم يكن صوتاً ضخماً أو مدوياً، بل كان مجرد حفيف خفيف، أشبه بورقة يابسة تسحب ببطء شديد على بلاط الغرفة المجاورة، تجمدت يدي فوق لوحة المفاتيح وبدأت أصغي بكل جوارحي، انقطع الصوت لعدة ثوانٍ ظننت خلالها أنني أتوهم، لكنه عاد مجدداً وكان هذه المرة أقرب بكثير، يتحرك بنعومة غريبة في الممر الضيق المؤدي إلى غرفتي مباشرة، حاولت أن أقنع نفسي بأن الأمر عادي، مجرد فأر صغير يتحرك في البيت القديم أو ربما صوت انكماش الخشب بسبب البرد القارس، رغم أنني كنت متأكداً في داخلي أن أرضية البلاط الباردة لا تصدر مثل هذه الأصوات.
قمت من مكاني ببطء شديد، سحبت هاتفي وشغلت كشافه الصغير، ثم فتحت الباب وخرجت للممر مستكشفاً، البرد هناك كان غير طبيعي، بارداً لدرجة أن أنفاسي كانت تخرج على شكل بخار أبيض أراه بوضوح في ضوء الكشاف، وجهت الإضاءة نحو الأرضية ولم أجد شيئاً على الإطلاق، لكن عندما رفعت الضوء قليلاً نحو الجدار، رأيت خطاً رفيعاً من سائل لزج وداكن يبدأ من السقف ويهبط ببطء شديد نحو الأرض، تقدمت ووضعت طرف إصبعي عليه ثم شممته، كانت له رائحة مقززة تشبه رائحة التراب الرطب المخلوط بالصدأ والدم القديم، عدت إلى غرفتي بسرعة وأغلقت الباب خلفي بإحكام، حاولت الجلوس والتركيز في الكتابة مجدداً لعلني أنسى ما رأيت، لكن عقلي رفض الاستجابة، وشعرت فجأة بضغط غريب في زوايا الغرفة، ذلك الإحساس الفطري المرعب الذي يخبرك بأنك لست وحدك في المكان، وأن هناك عيوناً خفية تحدق في ظهرك وتراقب كل حركة تصدر عنك.
عند الساعة الثالثة تماماً، سمعت صوت أنفاس حقيقية داخل الغرفة، لم تكن أنفاسي بالتأكيد، بل كانت أنفاساً عميقة ومتعبة تخرج من مكان ما خلف خزانة الملابس الخشبية القديمة التي تقبع في الزاوية المظلمة، قلبي بدأ يخفق بسرعة جنونية وشعرت ببرودة تسري في أطرافي كأن الدم تجمد تماماً في عروقي، وقفت ببطء متناهٍ وتقدمت نحو الخزانة بخطوات مرتعشة، كانت كل خطوة تتطلب مني طاقة هائلة من الخوف، مددت يدي وفتحت باب الخزانة فجأة لأقطع هذا الشك، لم يكن هناك شيء بالداخل سوى ملابسي المعلقة، تنفست الصعداء وحاولت الضحك من شدة الموقف، لكن عندما هممت بإغلاق الباب، تيبس جسدي بالكامل وعجزت عن التحرك، في مرآة الخزانة الداخلية، لم أكن أرى نفسي وحيداً، كان هناك ظل أسود طويل جداً يقف خلفي تماماً، برأس مشوه يخلو من الملامح البشرية، وكانت يده الطويلة ذات الأصابع المدببة ترتفع ببطء نحو كتفي.
التفتت بسرعة البرق إلى الخلف لأواجه الخطر، لكن لم يكن هناك أي شيء، الصالة كانت فارغة تماماً، عدت ونظرت إلى المرآة مجدداً، والظل كان لا يزال هناك في الانعكاس، بل وكان يبتسم بفم واسع شق وجهه من الأذن إلى الأذن رغم خلو وجهه من الأعين، تراجعت بذعر شديد حتى ارتطمت بطاولة المكتب وتناثرت أوراقي على الأرض، هنا أدركت أنني لا أواجه أمراً طبيعياً أو لصاً، بل كياناً خبيثاً يتلاعب بحواسي ويستمتع بخوفي، سحبت مفاتيح سيارتي وقررت الهروب فوراً من هذا البيت، ركضت نحو الباب الخارجي للصالة في الظلام، أمسكت بالمقبض وحاولت فتحه لكنه كان عالقاً كأنه جزء من الجدار الحجري، أدرت المفتاح في القفل فدار بنعومة فائقة كأن الباب مفتوح، ومع ذلك لم يتزحزح ملمتراً واحداً، بدا وكأن الباب قد التحم بالجدار تماماً وأصبح قطعة واحدة معه، ضربت الباب بكتفي بكل قوتي دون أي فائدة، وفي تلك اللحظة انقطعت الكهرباء عن البيت بالكامل، وحل ظلام دامس ولم يبقَ سوى ضوء قمر شاحب يدخل من النوافذ العالية ليرسم ظلالاً مشوهة على الأرض.
ومن وسط هذا الظلام، بدأت الأصوات تتكاثر حول الصالة بشكل مرعب، صوت خطوات ثقيلة تنزل من السلم الخشبي القديم المؤدي للسقيفة المهجورة، وصوت خربشة حادة بأظافر حجرية على زجاج النوافذ من الخارج ومن الداخل في نفس الوقت، وهمسات بلغة غريبة لا أفهمها تشبه تراتيل قديمة تُقرأ مقلوبة، الجدران نفسها بدأت تصدر أصوات طقطقة مقززة كأن البيت يتنفس بصعوبة، تراجعت إلى وسط الصالة تماماً وجلست على الأرض واضعاً رأسي بين ركبتي وأغلقت أذني بيدي بكل قوتي محاولاً إقناع نفسي بأنني أعيش كابوساً وسأستيقظ منه قريباً، لكن الرائحة العفنة التي ملأت المكان كانت حقيقية وتخنق الأنفاس. فجأة، توقفت كل الأصوات تماماً وساد هدوء مريب، ثم سمعت صوت قطرات سائلة تسقط بجانبي على الأرض، رفعت رأسي ببطء ونظرت للأعلى، على السقف المرتفع، كان هناك كائن مشوه ملتصق تماماً كالعنكبوت البشري، جسده هزيل وطويل جداً وتبرز عظام قفصه الصدري بشكل مرعب تحت جلد رمادي يشبه جلد الجثث، وأطرافه كانت طويلة ومنحنية بزوايا مقلوبة تثير الغثيان، وجهه كان يخلو من الأعين تماماً وفيه فجوتان مظلمتان ينبعث منهما سواد حالك، وفمه مفتوح على وسعه يقطر منه ذلك السائل الداكن الذي رأيته في الممر، كان ينظر إليّ مباشرة ويشعر بخوفي.
هبط الكائن من السقف بحركة سريعة ومفاجئة، مستقراً على أطرافه الأربعة على بعد مترين مني فقط، عجزت عن الحركة أو الصراخ وكانت حنجرتي جافة تماماً، زحف نحوي ببطء وكانت عظام مفاصله تصدر صوتاً يشبه تكسير الحطب مع كل حركة، اقترب وجهه من وجهي حتى شعرت بأنفاسه الباردة المليئة برائحة الموت، مد يده الباردة كالثلج ووضع إصبعه على شفتي المرتجفتين كأنه يأمرني بالصمت، ثم همس بصوت بدا وكأنه يخرج من بئر عميق داخل جمجمتي قائلاً إنني أنا من استدعيتهم بكتاباتي الخبيثة وأفكاري السوداء وسهري المتواصل في عتمتهم، وأن هذا البيت ملكهم منذ أن سُفكت أول دماء على هذا التراب. لا أعرف كيف مرت الساعات التالية، تداخلت الصور في عقلي بين وجوه مشوهة تخرج من الجدران وأيدٍ باردة تلامس جسدي وأصوات صراخ بعيدة، كنت في حالة بين الوعي والغيبوبة حتى تسلل أول شعاع لضوء الفجر من النافذة، عندها اختفت الرائحة وتلاشت الأصوات تماماً وانفتحت الأبواب تلقائياً وتدفأ الهواء، قمت ألتقط أنفاسي وجسدي يرتجف ووجدت كدمات زرقاء على معصمي، ركضت نحو سيارتي دون أن أحزم حقائبي وانطلقت بأقصى سرعة مبتعداً عن القرية الملعونة.
أنا الآن أكتب هذه السطور من شقتي في المدينة الصاخبة، وسط ضجيج الناس الذي أصبح أماني الوحيد، كنت أظن أنني نجوت، لكنني أخطأت تماماً، منذ يومين بدأت ألاحظ نفس الأشياء هنا، عندما أقف أمام مرآة الحمام، أرى خطاً رفيعاً من السائل الداكن يهبط ببطء من السقف، وعندما ينطفئ النور في غرفتي، أسمع بوضوح صوت الخربشة الخفيفة يخرج من داخل خزانة ملابسي الجديدة، الكيان جاء معي وهو ينتظر الظلام ليأخذ ما تبقى مني.
بقلم
غيم
كاتب مساهم في موقع قصص رعب
قيّم هذه القصة
التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)
شارك القصة (0)
قصص مشابهة من قصص الجن
أصوات الليل في بيت الجد
في ليلة هادئة في بيت جدي القديم، بدأت الأصوات تظهر من الزوايا المظلمة، تنذر بالكشف عن أسرار طويلة مدفونة.
لعنة الدار المسحورة
في قلب الصحراء العربية، حيث الأسرار تُحكم بالأساطير القديمة، وجدت نفسي محاصراً بلعنة جنية قديمة تهدد حياتي.
ظلال في بيت الجص
عندما قررت الانتقال إلى ذلك البيت القديم في القرية، لم أكن أعلم أنني سأواجه كائنات خفية تهيم في الليل كالأشباح.
الساكنة غير المرئية
في إحدى الليالي المظلمة، تسللت إلى بيت جدي القديم في القرية، حينها بدأت أسمع أصواتاً غريبة لم أكن أستطيع تفسيرها.