الساكنة غير المرئية
كانت ليلة خريفية باردة حين قررت زيارة بيت جدي القديم في القرية، كان البيت مهجوراً منذ وفاته ولم يجرؤ أحد من أفراد العائلة على دخوله. دبت في نفسي رغبة ملحة للعودة هناك، ربما لأني كنت أبحث عن شيء لا أستطيع تحديده.
عند وصولي، بدت القرية هادئة بشكل غير مريح، وأوراق الشجر اليابسة تتناثر على الطريق بصفير الرياح. كان المنزل يقف شامخاً أمامي، لكن شعوراً غريباً تسلل إلى قلبي عندما عبرت العتبة.
داخل البيت، كانت رائحة الرطوبة تملأ المكان، مصحوبة بنفحة غريبة لم أستطع تحديدها، كأنه مزيج من العطور القديمة والرماد. حاولت إشعال الأنوار، لكن الكهرباء كانت مقطوعة، فاستعنت بضوء الكشاف الذي أحضرته معي.
عندها، بدأت أسمع أصواتاً خافتة، كأنها همسات تأتي من الأعماق. توقفت عن الحركة، محاولاً تحديد مصدر الصوت. كان قلبي ينبض بقوة، وكل شعرة في جسدي تقف على أطرافها.
تقدمت بحذر نحو المطبخ، حيث كانت الأصوات تزداد وضوحاً، وكأنها محادثة بين عدة أشخاص. كان الأمر غريباً لدرجة أنني تساءلت إن كان عقلي يلعب بي لعبته القاسية.
"من هنا؟" ناديت بصوت مرتجف، لكن لم يأتني أي رد، سوى صدى صوتي الذي تردد في أرجاء المكان.
تابعت تقدمي، حتى وصلت إلى غرفة الجلوس. كل شيء كان كما تركه جدي، الأثاث، الصور العائلية المعلقة على الجدران، والساعة القديمة التي توقفت عقاربها عن الحركة منذ زمن.
فجأة، ساد الصمت الكلي في المكان، وكأن الزمن توقف. بالكاد تنفست، عندما شعرت بتيار بارد يمر بجسدي، وكأنما هناك يد خفية تلامسني.
"أنت لست وحدك هنا،" جاءني صوت خافت، قريب، لكنه لم يكن من عالمنا. تجمدت في مكاني، لا أملك الجرأة للاستدارة.
جمعت كل شجاعتي، وبدأت في تلاوة ما تيسر لي من آيات القرآن، لعلها تطرد عني تلك الأحاسيس الغريبة. بضع دقائق مرت كأنها دهر، قبل أن أسمع صوت خطوات تقترب من الغرفة الأخرى.
لم أستطع مغادرة المكان، كأن الأرض قيدتني في مكاني. كل خطوة كانت تقترب، تجعل قلبي يدق بشكل مؤلم. وصلت إلى الباب، وظهرت لي ظلال لا يمكن تفسيرها.
ثم فجأة، عاد كل شيء إلى الصمت. لا خطوات، لا همسات، ولا ظلال. كانت الغرفة خالية كما كانت، لكن شعوراً بأنني لم أكن وحدي استعمرني. ظللت في مكاني عاجزاً عن الحركة، متسائلاً إن كان ما حدث حقيقة أم مجرد وهم.
تراجعت ببطء، مغادرة البيت بخطوات ثقيلة، وعند العتبة الأخيرة، التفت مجدداً، أتساءل إن كانت الساكنة غير المرئية تراقبني بينما أخرج.
منذ تلك الليلة، لم أعد إلى بيت جدي، ولكنه ظل محفوراً في ذاكرتي. تركت النهاية مفتوحة، متسائلاً عما إذا كان البيت ما زال مأهولاً، أم أن الأرواح والجنيات التي تسكنه قد وجدت راحتها.
قيّم هذه القصة
التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)
شارك القصة (0)
قصص مشابهة من قصص الجن
البيت المهجور في زقاق الجن
بين أزقة القرية القديمة، حيث الأساطير تلامس الواقع، اكتشفت أن البيت المهجور يخفي أسرارًا لا يمكن للعقل تفسيرها.
ظلال في بيت الجص
عندما قررت الانتقال إلى ذلك البيت القديم في القرية، لم أكن أعلم أنني سأواجه كائنات خفية تهيم في الليل كالأشباح.
الليل الذي لم ينقضِ
في قرية معزولة بين كثبان الصحراء، اكتشفت عائلة سالم أن الليل يحمل معه أسراراً مرعبة تتربص في الظلام.
صرخات الليل المخيفة
في ليلة مظلمة، صرخات غريبة تملأ البيت وتكشف عن وجود قوى خفية تتربص في الظلال.