صفقة العمر المشبوهة

6 دقائق قراءة
78 قراءة
5.0 (1)

تنويه هام

هذه القصة مستوحاة من أحداث يُدّعى أنها حقيقية، لكنها أُعيدت صياغتها بأسلوب أدبي لأغراض الترفيه. لا يمكن التحقق من صحة الأحداث المذكورة.

والله يا جماعة الموضوع هاد صار معي أنا شخصياً بآخر التسعينات وتحديداً بسنة 1998، وما كنت متخيل بيوم من الأيام إني أكتبه أو أحكيه لحدا لأنه بيشبه أفلام الرعب، بس بما إنه السيرة انفتحت حابب أحكي شو صار معي بالشقة الملعونة هيك كنا نسميها بعدين اللي استأجرتها بمنطقة المنيل بالقاهرة. وقتها كنت مهندس ديكور ببداية حياتي وبدور على شقة تكون واسعة وسقفها عالي عشان أقدر أعمل فيها مكتبي الصغير وأرسم المخططات براحتي وبنفس الوقت أسكن فيها عشان أوفر مصاريف. بعد لف وتعب وأسابيع من التدوير مع السماسرة، لقيت سمسار حكالي عن شقة لقطة في عمارة قديمة من طراز الثلاثينات، الشقة كانت واسعة جداً وأرضيتها خشب زان قديم من هاد اللي بيطلع صوت خفيف وأنت بتمشي عليه، بس الغريب والمريب بالموضوع كان سعرها، السعر كان حرفياً ربع تمن أي شقة تانية بنفس المساحة والمنطقة. أنا طبعاً من فرحتي وطمعي بالعرطة ما ركزت كتير وسألت السمسار ليش الرخص هاد كله؟ فطلعلي بحجة جاهزة وقال لي إن صاحب الشقة راجل غني ومسافر بأوروبا وما بتهمه الفلوس قد ما بيهموا إنه يجي شاب محترم يحافظ على المكان وينظفه. أنا صدقت الحكي على طول ووقعت العقد ودفعت المقدم واستلمت المفاتيح وأنا حاسس حالي ملكت الدنيا.

بأول أسبوع كانت الأمور عادية ومشيت بسلاسة، كنت مشغول بنقل العفش والطاولات الكبيرة وادوات الرسم والهندسة واللوحات، بس الحاجة الوحيدة اللي كانت غريبة وملاحظها هي البرودة الشديدة بوسط الصالة، يعني كنا بشهر أغسطس والجو برا نار وجحيم، بس جوة الصالة بتحس برطوبة وبرد غريب ومش طبيعي، كنت أقول لنفسي معلش الحيطان القديمة بتكون سميكة وبتعزل الحرارة وهاد شي كويس مش وحش. لكن مع بداية الأسبوع التاني الأمور بدأت تتغير وبدأت أحس بحاجات مش مريحة أبداً بالبيت. كنت برجع من شغلي متأخر بالليل حوالي الساعة حداشر أو اتناشر، وبمجرد ما أحط المفتاح بالباب الخشبي الكبير وأفتحه، كانت بتضرب بوشي ريحة غريبة جداً، ريحة صعبة تتوصف بس هي خليط بين رطوبة العفن والتراب المبلول ومعاها نفحة كبريت محروق. كنت كل يوم أرش معطرات جو وأفتح الشبابيك والريحة تروح، بس بعد كام ساعة ترجع وتتركز بممر طويل وضيق بيودي لغرفة النوم الأساسية.

في ليلة من الليالي، كانت الساعة حوالي اتنين بعد نص الليل، والهدوء قاتل بالعمارة والمنطقة كلها نامت، كنت قاعد على مكتبي وبخلص مجسم كرتوني ومخطط لهندسة بيت، وفجأة سمعت صوت واضح جداً جاي من الغرفة اللي جنبي، الصوت كان عبارة عن "جر" حاجة تقيلة على الأرض الخشب، كأنه في شخص ماسك كرسي خشب وتقيل وعم يسحبه ببطء شديد على الأرض. أنا ثبتت بمكاني وقلمي وقف بإيدي وبدأت أسمع بتركيز، وتكرر الصوت تاني بنفس الطريقة. قمت وولعت النور وأخدت مسطرة حديد طويلة من المكت وعملت حالي شجاع ورحت فتحت باب الأوضة فجأة، بس الصدمة إن الأوضة كانت فاضية تماماً والكرسي الوحيد اللي فيها كان بمكانه وما تحرك ولا سانتي. قلت يمكن الصوت جاي من الجيران اللي فوقي والبيوت القديمة بتنقل الصوت، وريحت راسي ورجعت للمكتب، بس الصدمة اللي عرفتها بعدين إن الشقة اللي فوقي كانت فاضية ومقفولة بقالها سنة لأن أصحابها مسافرين كندا.

بعد السالفة دي بكام يوم، الموضوع زاد عن حده وما بقاش مجرد أصوات، بدأت الأشياء تتحرك من مكانها بشكل مستفز، يعني أكون حاطط مفاتيح البيت وساعتي والمحفظة على الطاولة اللي جنب الباب، أصحى الصبح ألاقيهم بالمطبخ أو تحت الكنبة بالصالة. ومرة صحيت الصبح بكير عشان أروح الشغل، لقيت كل ضلف ودواليب المطبخ مفتوحة على الآخر بشكل مرعب، هون أنا خفت بجد وفكرت إن في حرامي معاه نسخة من المفتاح وبيدخل البيت بغيابي أو وأنا نايم، فرحت على طول وجبت قفل جديد وغالي وركبته على الباب وقلت هيك أنا بأمان ومحدش يقدر يدخل. بس الرعب الحقيقي لسه ما بدأ، الرعب بدأ يظهر على شكل ظلال غريبة بالبيت. كنت أكون قاعد بتابع التلفزيون بالليل، وألمح بطرف عيني ظل أسود وطويل بيمر بسرعة من الممر وبيدخل المطبخ، ولما أروح أركض عشان أشوف مين ما ألاقي شي.

الليلة اللي غيرت كل شي وخليتني أندم على اليوم اللي استأجرت فيه الشقة، كانت بمنتصف شهر سبتمبر، الجو ليلتها قلب فجأة ومطرت بغزارة والكهرباء قطعت عن الحي كله. قمت ولعت شمعة وحطيتها على طرف المكتب وقعدت أنتظر الكهرباء ترجع، وفجأة حسيت ببرودة مش طبيعية نزلت بالأوضة لدرجة إني شفت بخار نفسي بيطلع من بوقي وأنا بتنفس وسط الصيف. طلعت بالشمعة ولقيت اللهب بتاعها بيتحرك بقوة وبيروح ويجي كأن في حد واقف فوق راسي وعم ينفخ عليها، وفجأة انطفت الشمعة وصرت بظلام دامس. بهديك اللحظة، سمعت صوت أنفاس حشرجة قوية وعميقة طالعة من الزاوية الفاضية اللي قدام مكتبي، صوت أنفاس بني آدم تعبان ومريض جداً ومخلوق. أنا جسمي تيبس ومقدرتش أتحرك ولا حتى أصرخ من الخوف، طلعت موبايلي القديم وشغلت الفلاش بتاعه ووجهته بسرعة ناحية الزاوية. ما كان في حد واقف، بس الصدمة الكبيرة إنه كان في ظل أسود كحل، سواد فاحم جداً مرسوم على الحيطة لراجل طويل ومنحني الظهر، والظل هاد كان ثابت بمكانه وواقف، ولما كنت أحرك الفلاش يمين وشمال الظل ما يتحركش مع الضوء، كان مستقل بذاته وكأنه شخص حقيقي واقف بس شفاف وأسود. أنا هون قفلت معايا ومتحملتش، ركضت على الباب وفتحته وطلعت من الشقة بالشارع بملابس البيت وفضلت قاعد على القهوة لحد ما طلعت الشمس.

تاني يوم الصبح، ومستحيل كنت أرجع الشقة لوحدي، أخدت معايا اتنين من أصحابي الجامدين ورحنا على قهوة شعبية تحت العمارة، وقعدت مع راجل كبير بالسن شغال بالقهوة اسمه عم عبده وبيعرف كل صغيرة وكبيرة بالمنطقة من زمان. سألته بشكل مباشر: يا عم عبده قولي بصراحة شو قصة الشقة اللي بالدور الرابع دي؟ الراجل وشه اتغير وبص حوالي وخفض صوته وقال لي: أنت شفت الخواجة ديمتري؟ ومن هنا عرفت القصة المرعبة اللي السمسار خباها عني. بالتمانينات كان عايش بالشقة دي راجل يوناني عجوز واسمه ديمتري، وكان عايش لوحده ومقطوع من شجرة ومالوش قرايب، الراجل هاد جاله مرض شديد وتعب ونام بالسرير ومحدش من الجيران حس فيه ولا عرف عنه حاجة، ومات لوحده بالأوضة وفضل ميت ومحدش داري عنه لمدة شهر كامل، لحد ما الجيران شموا ريحة فظيعة بالعمارة كلها ولما الشرطة كسروا الباب لقوا جثته متحللة تماماً وسوائل الجثة كانت غرقانة بأرضية الأوضة الباركيه وخربتها. وعم عبده كمل وقال لي إن صاحب العمارة قفل الشقة وفترة ونظفها وغير الخشب ودهن الحيطان وحاول يأجرها كتير، بس كل اللي سكنوا فيها كانوا بيهربوا بعد أسبوعين تلاتة لأنهم بيسمعوا نفس الأصوات وبيشوفوا نفس الظل، والسمسار كان بيستغل الشباب اللي من برا المحافظة وما يعرفوش القصة عشان ياخد منهم الفلوس ويمشوا.

كلام عم عبده فسرلي كل الحاجات اللي حصلت معايا؛ الريحة هي ريحة الموت اللي لسه لازقة بالمكان، وصوت جر الكراسي هو الخواجة ديمتري لما كان بيحاول يستند على أي حاجة وهو بيموت، والظل هو روحه اللي لسه محبوسة بالشقة ومش قادرة تغادرها. أنا ما فكرت ولا ثانية، طلعت أنا وأصحابي على الشقة بعز الضهر ولميت كل حاجتي وهدومي وكتب الرسم بشنط وصناديق ونزلناها بسيارة ربع نقل بنص ساعة. وأنا طالع وبسحب آخر صندوق وبدي أقفل الباب، التفتت لورا وبصيت على الممر الطويل، كانت الشقة كلها شمس ونور، بس الممر كان ضلمة كحل وبأخره شفت بعيني ظل الراجل العجوز المنحني واقف وعم يتطلع عليا وهو رافع إيده كأنه بيودعني أو بيقول لي مترجعش لهون تاني أبداً. رميت المفاتيح بوش السمسار بالشارع ومطلبتش منه ولا مليم من التأمين والفلوس اللي دفعتها، ومن يومها حرمت أستأجر أي شقة قديمة من غير ما أسأل طوب الأرض عن تاريخها وتاريخ اللي سكنوا فيها قبل مني.

غ

بقلم

غيم

كاتب مساهم في موقع قصص رعب

قيّم هذه القصة

التقييم: 5.0 من 5 (1 تقييم)

شارك القصة (0)

قصص مشابهة من قصص رعب حقيقية