الظل الذي لم يختفِ

3 دقائق قراءة
2 قراءة
0 (0)

عادة ما تبدأ قصص الرعب بحكايا غامضة تُروى في ليالي الشتاء الطويلة، إلا أن قصتي هذه حقيقة خالصة، محصورة بين جدران منزل عائلتي العتيق في قرية 'النجوم'. تلك القرية التي سُمّيت نسبةً لصفاء سمائها، إلا أن في تلك الليالي الحالكة، لم تكن السماء سوى شاهدٍ صامتٍ على ما كنت أعيشه.

في إحدى ليالي نوفمبر الباردة، قررت العودة إلى منزلي بعد غياب دام سنوات في المدينة. كان المنزل قديمًا، تنبعث منه روائح الخشب المتعفن والذكريات المدفونة. عندما دخلت، شعرت برعشة غريبة تسري في جسدي، كأن الهواء المحيط كان مشبعًا بطاقة ثقيلة.

"يا أحمد، هل أنت هنا؟" نادتني والدتي بصوتها الدافئ من المطبخ. "تعال، نحن بحاجة للتحدث."

جلستُ بجانبها، وبدأت بتحريك الملعقة في فنجان الشاي، محاولة تهدئة الاضطراب الذي بدأ يشتعل داخلي. "ما الأمر، أمي؟"

نظرت إليّ بعينين تملؤهما القلق. "هناك شيء غير طبيعي يحدث هنا، أشياء غريبة تحدث ليلاً."

في تلك اللحظة، سمعت صوت خطوات خفيفة تتردد في الممر، توقفت فجأة، ثم تبعتها ضحكة مكتومة، كأنها صدى لرجل متهكم.

"هل سمعت ذلك؟" سألتها، لكن والدتي بدت غير مكترثة. "هذا يحدث كل ليلة، أحمد. ظلال تسير في الممرات، وأصوات تأتي من العدم."

مساء ذلك اليوم، قررت البقاء في غرفة المعيشة، مصممًا على كشف ما يحدث. كانت الليلة باردة، ونسيم نافذٍ يتسرب من النوافذ المقفلة. فيما كنت أقرأ كتابًا قديماً، بدأت أسمع صوت همسات، كأنها تأتي من كل مكان.

"أحمد... أحمد..." هكذا كان يُنادى اسمي، بنبرة خافتة تشبه زفيرًا مخيفًا.

قمت لأبحث عن مصدر الصوت، وفي تلك اللحظة شعرت بلسعة باردة تخترق جسدي، وكأن أحدًا مر بجانبي. ارتعدت فرائصي، لكنني قررت متابعة البحث.

وبينما كنت أسير في الممر، رأيت ظلاً يمر بسرعة من أمامي، ظل يترك خلفه رائحة كبريتية غريبة. شعرت بثقل في الهواء، وضغط ساحق على صدري.

قررت العودة إلى المطبخ حيث كانت والدتي، لكنني وجدت نفسي أمام باب مغلق. حاولت فتحه، لكن عبثًا.

"أمي... أمي! افتحي الباب!" صرخت، لكن لم يكن هناك جواب. الضوء الخافت في الممر بدأ يبهت شيئًا فشيئًا، حتى أصبحت محاطًا بالظلام.

في تلك اللحظة، أحسست بيد باردة تلامس كتفي. شعرت بقلبي يتوقف للحظة. التفت بسرعة لأرى وجهًا شاحبًا يحدق بي بعينين مشتعلة.

"أحمد، لن تخرج من هنا." قال الصوت بصوت أجوف.

شعرت بالرعب يجمد أوصالي، كأنني محاصر في مكان لا مهرب منه. حاولت الصراخ، لكن صوتي ضاع في الفراغ.

أصبحت الأيام التالية بمثابة كابوس مستمر. كل ليلة كانت تزداد الأحداث غرابة: أضواء تومض، نداءات مخيفة تتكرر، وأشياء تتحرك بلا سبب. كنت أشعر بأن المنزل كله قد استولى عليه كائن شيطاني.

بدأت أفقد قدرتي على التمييز بين الواقع والوهم. لم أعد أستطيع النوم أو الأكل، وكلما نظرت في المرآة، رأيت ظلي يتحرك بصورة مستقلة عني، مبتسمًا بسخرية.

أدركت أنني أسير في طريق لا رجعة منه. في الليلة الأخيرة، بينما كنت ممددًا على سريري، شعرت بألم حاد في صدري، وكأن شيئًا ما يحاول الخروج مني. أحاطني الظلام، وفي تلك اللحظة، أدركت أنني لم أعد الشخص الذي كنت عليه.

لقد تحولت إلى جزء من هذا الكابوس، وروحي باتت قابعة في الظل الذي لم يختفِ أبدًا.

قيّم هذه القصة

التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)

شارك القصة (0)