أصوات الليل: همسات الجان في الظلام
كنتُ دائماً أعتقد أنني أعيش حياة طبيعية في هدوء منزلي الواقع في أطراف مدينة القاهرة. ولكن، كل شيء تغير في تلك الليلة المظلمة، عندما انقطع التيار الكهربائي فجأة وانغمرنا في ظلام دامس.
كنت أجلس وحدي في غرفة المعيشة، أحاول قراءة كتاب تحت ضوء شمعة واهنة. كان الهدوء التام يحيط بي، إلى أن سمعت صوتاً خافتاً يشبه الهمس يأتي من المطبخ. تجمدت في مكاني بينما تسارع نبض قلبي، شعرت ببرودة مفاجئة تلفح وجهي وكأنما كانت هنالك يد خفية تُلمسني.
جمعت شجاعتي، وقمت من مكاني ببطءٍ، متوجهاً نحو المطبخ. كل خطوة كنت أخطوها كانت تئن تحت وطأة الصمت المخيف. وعندما اقتربت، سمعت صوتاً آخر، هذه المرة كان أشبه برنين خافت، كأنما آلاف الأجراس تدق في انسجامٍ مرعب.
"هل من أحد هنا؟" نطقت بصوتٍ متردد. لكن لم يكن هناك جواب سوى الصمت القاتل.
جلست على الكرسي الموجود في المطبخ، محاولاً تهدئة نفسي، لكن حينها شعرت بشيء يمر بجانبي بسرعة خاطفة، نسمة باردة تمر عبر جسدي كما لو كانت تحاول اختراق روحي. في تلك اللحظة قطع السكون صوت ضحكة خافتة، ضحكة تردد صداها في أرجاء المنزل.
هرعت خارج المطبخ، متوجهاً نحو الباب الأمامي، لكنني وجدت نفسي واقفاً في مكان غريب، لم يكن منزلي على الإطلاق. كانت جدرانه تعج برسومات غريبة، وخطوط متداخلة لم أرَ مثلها من قبل. السقف كان مرتفعاً، وبالكاد أستطيع رؤية نهايته في الظلام.
"أين أنا؟" تساءلتُ بصوت يملؤه الذعر.
سمعت صوت خطوات تقترب، نظرت حولي لأجد رجلاً عجوزاً بثوب أبيض طويل، وجهه مخفي تحت غطاء رأسه. أشار إليّ بيده قائلاً: "أنت في مكان بين العالمين، حيث تلتقي الأرواح الضائعة."
تراجعت إلى الوراء، لكنني شعرت وكأن الأرض تبتلعني، لم أتمكن من الهرب.
"من أنت؟ وما الذي تريده مني؟" صرخت.
نزع الرجل غطاء رأسه، ليظهر وجهه الذي بدا وكأنه يتشكل ويتغير أمام عيناي، كانت ملامحه تتبدل بلا توقف. ابتسم ابتسامة باردة قائلاً: "أنت مدعو لتبقى معنا، في هذا العالم الخفي."
في تلك اللحظة شعرت بكامل كياني يتجمد، وبدأت أدرك أنني ربما لن أتمكن من العودة إلى عالمي.
استيقظت فجأة في صباح اليوم التالي، وجدت نفسي ممدداً على أرضية المطبخ، والشمعة قد انطفأت منذ زمن. لم يكن هناك أي أثر لما حدث، سوى شعور عميق بالخوف والألم في صدري.
لم أخبر أحداً بما جرى، لكني أعلم أنني لست وحدي، أن هنالك عوالم خفية تلتقي مع عالمنا فقط في الظلام، حيث الأرواح التائهة تجوب، تبحث عن ضحاياها.
والآن، كلما حل الليل، أظل مستيقظاً، أستمع إلى الهمسات التي تظهر من العدم، وأتساءل هل سأعود يوماً إلى ذلك المكان المخيف؟ أم أنني سأبقى محصوراً بين عالميهما إلى الأبد؟
قيّم هذه القصة
التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)
شارك القصة (0)
قصص مشابهة من قصص الجن
البيت المهجور في زقاق الجن
بين أزقة القرية القديمة، حيث الأساطير تلامس الواقع، اكتشفت أن البيت المهجور يخفي أسرارًا لا يمكن للعقل تفسيرها.
الليل الذي لم ينقضِ
في قرية معزولة بين كثبان الصحراء، اكتشفت عائلة سالم أن الليل يحمل معه أسراراً مرعبة تتربص في الظلام.
الليلة التي رأيت فيها الظلال
في ظلمة تلك الليلة، كنت وحدي في البيت القديم، عندما بدأت الأصوات الهمسة تعلو من الغرف الخالية، وكأنها تروي قصة لا يفترض أن تُسمع.
ظلال في بيت الجص
عندما قررت الانتقال إلى ذلك البيت القديم في القرية، لم أكن أعلم أنني سأواجه كائنات خفية تهيم في الليل كالأشباح.