سقف عين الصفصاف

4 دقائق قراءة
1163 قراءة
2.3 (3)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

البيت ما كان خرابة من هدول يلي بنشوفهم بمسلسلات الرعب تبع الأجانب؛ لا فيه خيطان عنكبوت مدندلة من السقف، ولا قفل حديد مصدي بدو مية سنة وزيت لحتى يفتح. بالعكس تماماً، البيت كان نضيف زيادة عن اللزوم، نضافة بتريب وبتجيب القلق للقلب. أول ما استأجرتو بأطراف قرية "عين الصفصاف" بريف حمص الغربي ودخلت، ضربت بوجهي ريحة كلور قوية مخلطة برطوبة معتقة بالحيطان، نفس الريحة يلي بتشميها بالمشافي الحكومية القديمة الفاضية. بيت حجر أسود من برا، سقفو عالي كتير من جوا لدرجة بضيع الضو فيه، والشبابيك خشب زرقا مقشرة من الشمس ومأكلة رطوبة من شتوية السنين الماضية.

أنا كاتب، وكان عندي رواية رعب ونفسي لازم سلمها لدار النشر قبل ما يبلش الشتا والبرد وتقطيع الطرقات. كنت عم دور على قرنة معزولة، قرنة ما فيها تغطية موبايل قوية ولا فيها بشر يضلوا يصرخوا ورا أولادهم بالحارة. بس العزلة بهيك بيوت قاطعة إلها ضريبة كبيرة، والضريبة بتبلشي تدفعيها من كيسك لما يهدأ الكون كلو حواليكي بعد الساعة ١٢ بالليل، وما يضل بالصالون غير صوت ريقك وأنتِ عم تبلعيه من الخوف، وصوت طنين دبران جوات إدنيكِ.

صاحب البيت، أبو منير، زلمة خمسيني وجوّه ناشف، لما سلمني المفتاح كان عم يتلفت حواليه متل الحرامي. قالي بلهجة حذرة: "شوف يا أستاذ، البيت إلك وللزمان، بس نصيحة من هالدقن، الطابق الفوقاني لا تقرب عليه بنوب، نحن عازلينو ومقفلينه لانو السقف عم يهر تراب، وخليك بالأرضي أأمن لك ولغراضك". أنا بوقتها هزيت راسي وقلت لاهي قصة توفير تدفئة وتنظيف، وما أخذت وعطيت بالكلام، لانو بالي كان كلو بالرواية البيضاء يلي عم تستنى كلمات.

أول يومين مرقوا عادي، شعلت الصوبيا، حطيت دلة القهوة على النار، وبلشت اكتب. الجو كان هادي لدرجة ممتعة. بالليلة الثالثة، حسيت الجو تقل فجأة، الهوا بالصالون صار متل العجين، والتنفس بدو نتر وجهد، كأنو الأكسجين عم يخلص من القرنة. كانت الساعة شي وحدة ونص بالليل، قاعد عم اكتب على الطاولة الخشب القديمة، وفجأة سمعت صوت "حفّ" من فوقي تماماً.

صوت واضح ومقرف كتير، متل ضوافر إيدين وسخة عم تتحرك وتجرح بسجاد قاسي ومصوف، أو كأنه حدا عم يجرجر كيس خيش تقيل ومليان رمل بالطابق الفوقاني المقفل. تركت القلم من إيدي، تطلع الحبر عم يلطخ الورقة. رفعت راسي وتطلعت بالسقف الخشبي المستعار. البيت طابقين وأنا مستأجرو كلو، والمفروض الطابق الفوقاني مقفل وأبو منير قالي ما فيه حدا. قعدت قنع حالي متل أي بني آدم جبان وبيخاف من خيالو، وقلت: "يمكن خشب السقف عم يتمدد ويطق من برد الليل، أو في جردون فايت بين السقفين". هيك نحن البشر دايماً بنكذب على حالنا بس نبلش نرتعب ونحس بالخطر. رجعت للورق، بس الإحساس بالأمان طار بنوب، وصرت حس الزوايا المعتمة بالصالون عم تضيّق وتكبر، وكأن الحيطان عم تقرب على طاقتي شوي شوي.

بالليلة الخامسة، القصة ما عاد تنسكت عليها، وقلبت لقرف حقيقي مقيم. كنت عم اقرأ الفصل الأول يلي كتبتو، وحسيت بنقطة مي باردة نزلت من السقف واستقرت على رقبتي من ورا. مسحتها بإصبعي وتطلعت فيها تحت ضو الشمعة... ما كانت مي بنوب. مادة لزجة بتمط متل الزيت الثقيل، لونها مايل لِلصفار المقرف، وريحتها... يا لطيف على هيديك الريحة، ريحة لحم معفن ومفطس ومتروك ببراد مقطوعة عنو الكهرباء بنص الصيف من شي أسبوعين.

شعلت فلاش الموبايل ووجهتو لفوق على السقف. بنص بياض السقف المستعار، كان في بقعة رطوبة سودا وعفنة عم تتوسع بريتم بطيء... بطيء كتير وكأنها قلب عم ينبض وعم تتنفس. البقعة كانت عم تطلع وتنزل متل جلد بطن الضفدع لما يكون عم يقرّ. هون أكلت معي رعبة حقيقية وعرفت إنو السالفة مو "طق خشب" ولا رطوبة شتوية عادية، في شي حي وعم يتعفن ويفرز ورا هاد السقف الخشبي.

نزلت على الضيعة الصبح لحتى شوف أبو منير، بس ما لقيتو بالدكانة. لقيت زلمة ختيار قاعد على الكرسي عم يشرب متة، سألتو عن البيت الجواني بأطراف الضيعة، الختيار تطلع فيني بنظرة غريبة، وبزق مية المتة وقالي: "أنت يلي استأجرت بيت الملعون؟ يا ابني هاد البيت ما حد سكنو من عشر سنين، من لما منير ابن صاحب البيت اختفى بالطابق الفوقاني، ولما فتحوا الباب لقوا الغرفة مليانة من هاد الزيت الأصفر وما لقوا للجثة أثر... اترك غراضك واهرب يا ابني".

كلام الختيار وقع عليي مثل سطل مي مثلجة. رجعت على البيت يركض، وقررت اترك كل شي بس يطلع الضو. لميت لابتوبي ووراقي ولحاشتهم بكيس سفر كبير وتركتهم عند الباب الجواني، وقعدت على الكنباية عم استنى الصبح بفارغ الصبر. النوم صار سابع مستحيل والخوف صار ساكن براسي. الساعة تلاتة الفجر، المطر برّا بلش يضرب الشبابيك بعنف ويقرقش على القرميد متل حبات الرصاص، وفجأة... سكت المطر دفعة واحدة وبلا مقدمات.

السكوت يلي صار بهيديك اللحظة كان بيرعب ألف مرة أكتر من صوت العاصفة والرعد. هاد السكوت الميت والقاتل يلي بيخليكي تسمعي دقات قلبك عم تطق وعم تضرب جوات إدنك متل الطبل. ومن قلب هاد السكوت، طلع صوت من المطبخ الجواني.

غ

بقلم

غيم

كاتب مساهم في موقع قصص رعب

قيّم هذه القصة

التقييم: 2.3 من 5 (3 تقييم)

شارك القصة (2)

قصص مشابهة من قصص رعب مكتوبة

قصص رعب مكتوبة

البيت المهجور: أسرار منسية في واحة النسيان

عندما دخلت البيت المهجور وسط الواحة، لم أكن أعلم أنني سأكتشف أسراراً تقشعر لها الأبدان، مستوحاة من أساطير أجدادنا.

38994.8
قصص رعب مكتوبة

المحراب الذي يشير إلى الجحيم

جاء نداء الفجر في الثالثة صباحًا مرة أخرى، ومشى العم رشيد نحو المسجد المهجور بقدميه الخشبيتين. كان المحراب يواجه الجنوب بدلاً من الغرب لستين عامًا، لكن شيئًا في ذلك الاتجاه كان جائعًا جدًا للأدعية.

23173.9
قصص رعب مكتوبة

طبيب الليل في وادي الغُرباء

طعم الخوف المعدني ملأ فمي وأنا أستمع لخطواتٍ لا ينبغي أن تُسمع في هذه الساعة. القواعد كانت مجرد خرافات حتى بدأ المرضى بالوصول بجروح تشكل أنماطًا قديمة، وزهرة لم تكن تعكس في الحوض النحاسي.

22523.8
قصص رعب مكتوبة

جناح الأسماء المنسية

في جناح ٧ المتحلل من مستشفى النور، تتحرك السبحة بلا ريح وزوج متفانٍ يجلس بجوار زوجته الغائبة عن الوعي. لكن عندما تستيقظ أخيراً، تسأله لماذا توقف عن زيارتها—رغم أنه لم يغادر جانبها أبداً.

21644.1