البيت المهجور: أسرار منسية في واحة النسيان
لم أكن أتصور يوماً أن أجد نفسي واقفاً أمام باب بيت مهجور في وسط واحة النسيان، تلك البقعة المنسية في الصحراء التي يقال إن الجن يتخذونها ملاذاً لهم. كان الباب الخشبي العتيق مغطى بالغبار، والألواح تصدر صريراً أنينياً كما لو كانت تروي حكايات عتيقة.
بخطواتٍ بطيئة، دفعت الباب المتهالك بيدي، ليستقبلني صمت ثقيل يتخلله صوت حفيف الرياح بين الشقوق. جدران البيت كانت مزينة بنقوش عربية قديمة، تحكي قصصاً عن أبطالٍ وأشباحٍ من الزمن الغابر.
بينما كنت أخطو بحذر، لفت انتباهي تقوّس السقف العالي، كأنه يحكي عن عظمته في زمنٍ مضى. سمعت صوتاً خافتاً، كأنه أنين رياح الصحراء، لكنه صوتٌ بشري، أو هكذا خُيّل لي.
ألقى الظلام بظلاله، لكن نوراً باهتاً كان يبزغ من أحد الغرف الجانبية. دخلت الغرفة لأجد شاباً يرتدي جلباباً عربياً تقليدياً، جالساً على الأرض وعيناه مغلقتان كأنه غارق في رحلة زمنية بعيدة.
ناديته قائلاً، "من أنت؟ ولماذا أنت هنا؟" فتح الشاب عينيه ببطء، نظر إليّ وقال بصوتٍ واهن، "أنا حارس الأسرار. منذ قرون مضت، وقد أخذت على عاتقي حفظ هذا المكان من نسيان الزمان."
اجتاحني الفضول وقلت، "ما هي هذه الأسرار؟ ولماذا هذا المكان بالذات؟"
ابتسم الشاب ابتسامة حزينة وقال، "هنا كانت تقام طقوس قديمة، حيث يلتقي البشر مع الأرواح التي تسكن الصحراء. كان هذا البيت مركزاً لتلك الطقوس، والآن هو مجرد صدى لتلك الأيام."
دوى فجأة صوت انفجار في الغرفة المجاورة، فاندفعت صوبها. كان هناك صندوق خشبي قديم، قد انفتح بفعل قوة خفية. في داخله، وجدت مخطوطات تعود لأزمنة بعيدة، مكتوبة بلغة غريبة لكنها مألوفة.
بينما كنت أتصفح المخطوطات، شعرت بيدٍ توضع على كتفي. استدرت لأجد الشاب ينظر إليّ بعبوس وقال، "لقد حان وقت الرحيل، لا يجب أن تبقى هنا طويلاً، فقد تفتح أبواباً لا تعرف كيف تغلقها."
خرجت من الغرفة وأنا أشعر بثقل الأسرار التي اكتشفتها، لكنني لم أستطع معرفة الحقيقة الكاملة. هل كانت المخطوطات حقاً تحمل أسرار العالم الآخر أم كانت مجرد هلوسات عقلٍ ملّ البحث في الصحراء؟
عدت إلى القرية، لكن شيئاً ما تغير في داخلي. لم أستطع العودة إلى حياتي القديمة، وأجد نفسي أحياناً أسمع أصواتاً غريبة في الرياح، كأنها تهمس لي بأسرار البيوت المهجورة. ومع مرور الأيام، بدأت أتساءل: هل كنت ضحية لأوهام عابرة، أم أنني قد لامست جزءاً من الحقيقة المنسية؟
قيّم هذه القصة
التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)
شارك القصة (0)