سراب الصحراء وخفايا الواحة المفقودة
كانت الشمس تسطع بحرارتها القاسية فوق الرمال اللامتناهية، تنعكس أشعتها الذهبية كأنها سيوف من نار تلامس الأرض. كنت أقف وحدي في مكان يبدو وكأنه نهاية العالم، حيث لا شيء سوى امتداد الصحراء بلا حدود. كانت الرمال تنزلق بلطف تحت قدمي، وأنا أتشبث بالكوفية حول رأسي بإحكام لأحمي نفسي من الرياح الساخنة.
لقد انطلقت في هذه الرحلة بناءً على قصة سمعتها في طفولتي، عن واحة قديمة مفقودة تحتوي على أسرار وخفايا لا يمكن للعقل البشري استيعابها. كان اسمها "واحة الخفاء"، ووفقًا للأسطورة، فإن من يجدها سيحصل على حكمة الفراعنة وقوى خفية لا يمتلكها سوى القليلون.
بينما كنت أشق طريقي وسط الرمال، سمعت صوتًا غريبًا، صوتًا يشبه الهمس الذي يتردد في أذني. توقفت، أتلفت حولي، ولكني لم أجد شيئًا سوى الصمت والصحراء الشاسعة. ربما كان ذلك مجرد أثر الرياح بين التلال الرملية.
استمررت في المسير حتى غابت الشمس في الأفق، تاركة السماء ممتلئة باللون البرتقالي والوردي. حينها لاحظت شيئًا مختلفًا، ظلالاً تتحرك بهدوء في المسافة. اقتربت بحذر، حتى رأيت مجموعة من الصخور تبدو وكأنها مجمعة بشكل يشكل دائرة.
جلست بجوارها لأستريح، وعندها بدأ عقلي يتلاعب بي. هل كانت هذه حقًا تلك الواحة؟ أم أنها مجرد أوهام صنعتها الشمس والحرارة؟
في الليل، حين ارتفعت النجوم في السماء، سمعت صوتًا غريبًا مرة أخرى، ولكنه كان أوضح هذه المرة، وكأنه نابع من داخل الدائرة الحجرية. مع اقترابي، لاحظت نقشًا على إحدى الصخور، يبدو وكأنه قصة محفورة بدقة.
لم أستطع مقاومة الفضول. جلست أقرأ النقوش ببطء، يصفون حكاية قديمة عن زعيم قبيلة فقد حبه وأمله في العالم. وفي تلك اللحظة أدركت أنني لم أكن وحدي. صوت خطوات خافتة اقتربت مني، وظهرت أمامي امرأة ترتدي ثيابًا تقليدية مزينة بزخارف قديمة.
قالت المرأة بصوت هادئ: "مرحبا بك في واحة الخفاء. لقد كان مقدرًا لك أن تصل إلى هنا."
حاولت التحدث، ولكن الكلمات خانتني. ابتسمت المرأة وكأنها تقرأ أفكاري، وأشارت بيدها نحو دائرة الحجر. "كل سر لديه ثمنه، وكل سر مُخبَّأ هنا لسبب."
ثم تركتني ومضت في الظلام. بقيت جالسًا، أفكر في كلماتها. هل كانت هذه الواحة بالفعل حقيقية؟ أم أنها مجرد تجلٍ لأحلامي وأوهامي؟
في الصباح، عندما استيقظت، وجدت نفسي وحدي في الصحراء مرة أخرى. لم يكن هناك أثر للمرأة أو حتى للدائرة الحجرية. استجمعت شجاعتي، وبدأت في رحلة العودة إلى المدينة، محملاً بالأسئلة والأفكار التي لم أتمكن من تفسيرها.
ظللت أفكر في تلك الليلة وكلمات المرأة، متسائلًا عما إذا كانت واحة الخفاء مجرد أسطورة أم حقيقة دفنتها الرمال عبر الزمن. عدت إلى حياتي اليومية، ولكني أصبحت مدركًا أنه ليس كل ما تراه العين يمكن تفسيره بسهولة. ربما كانت هناك قوى في الصحراء أكبر من أن يفهمها أي إنسان، وكنت أنا مجرد عابر سبيل في حكاية قديمة.
وهكذا، بقيت واحة الخفاء لغزًا في ذاكرتي، سرًا لم يُفك شفرته بعد، وربما لن يفك أبدًا.
قيّم هذه القصة
التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)
شارك القصة (0)