الغموض اللامتناهي في رمال الصحراء العربية

3 دقائق قراءة
0 قراءة
0 (0)

كان الليل قد بسط عباءته السوداء على الصحراء، والنجوم ترصّع السماء كمصابيح تُضئ طريق الحيرانين. كنتُ هناك، وحدي، في وسط اللا نهاية، محاطًا برمال لا تنتهي. تلك الليلة كانت تشبه الحلم، أو بالأحرى كابوس غامض يأسرني في طياته.

كنت قد انطلقت في تلك الرحلة مع صديقي الحميم عمر، حاملاً في ذاكرة رأسي قصص الأجداد عن كنوز مدفونة وأرواح تهيم في الرمال. جلسنا مساءً حول نارٍ هادئة، نتبادل القصص والحكايات، بينما كانت الرياح تعزف سيمفونية غريبة تنفذ إلى أعماقنا.

"أتتذكر تلك الحكاية القديمة عن كهف الجان؟" سألني عمر، وصوته يبتلع الحماس.

ابتسمت وأنا أقول: "من منا لا يتذكرها؟ يقولون إن من يدخل الكهف لن يخرج كما كان، بل محملاً بأسرار لا يمكنه إفشاؤها."

تبادلت العيون بيننا، وقررنا أن نبحث في الليلة القادمة عن ذاك الكهف المزعوم. كانت فكرة رائعة، أو هكذا اعتقدنا.

حينما أشرقت شمس الصباح، بدت الرمال ذهبية لامعة تحت ضوء الشمس، وكأنها تدعونا لكشف أسرارها. انطلقنا، خطواتنا تترك علامات خفيفة على الرمال، وكأننا نحاول ترك آثارنا في تاريخها الخفي.

مع كل خطوة، كانت الأجواء تزداد غرابة، وكأن صوتًا بعيدًا يناديني. "هل تسمع ذلك، عمر؟" قلت وأنا أشعر بالشعر يقف على أطراف جسدي.

هز عمر رأسه غير مصدق: "إنها مجرد رياح، لا تهتم."

ولكنني لم أكن متيقنًا. كان هناك شيء مختلف في الهواء، وكأن الأرض نفسها كانت تهمس بحكايات لا تسمع إلا بأذن القلب.

وأخيرًا، بعد ساعات من السير، ظهر أمامنا مدخل الكهف المظلم. كان الباب أسودًا كظلام الليل، مع زهور غريبة تنمو حوله تبدو وكأنها تحاول أن تمنعنا من الدخول.

قال عمر بتحدٍ: "لنكتشف ما يخفيه." ثم دخل، وأنا خلفه.

كان الكهف يزداد ظلمة وبرودة مع كل خطوة نخطيها. فجأة، سمعنا صوت خطوات غير مرئية في الخلف، وكأن الكهف يضج بالحياة.

"من هناك؟" صرخت، ولكن لم يجبني إلا الصدى العائد.

حينما وصلنا إلى أعمق نقطة، كانت هناك بركة صغيرة، مياهها تعكس ضوءًا غامضًا، وكأنها تحاول أن تخبرنا بشيء.

توجهت للمس الماء، وعندها فقط، شعرت بنسيم بارد يمر على وجهينا، حمل همسات غريبة لم أفهمها، ولكنها كانت تحذرني.

بعد جولات من البحث والاستكشاف في الكهف، قررنا العودة إلى المخيم. لكن في طريق العودة، تبدو النجوم وكأنها تنطفأ واحدة تلو الأخرى، تاركة السماء مظلمة وكئيبة.

حينما وصلنا، لم نجد أثرًا للنار أو مخيمنا. بدت الصحراء وكأنها قد استبدلت كل شيء بمعالم أخرى، مختلفة وغريبة.

وقفنا حائرين، والقلق يتسرب إلى نفوسنا. "هل كانت الرحلة إلى الكهف ستكون نهاية رحلتنا؟" تساءلت بصوتٍ مرتجف.

بينما كنا نحاول العودة إلى حيث بدأنا، كان هناك شيء غريب يلاحقنا، شيء لا يرى ولكن يُشعر به. وكأن الصحراء كانت تبحث عن وسيلة لتبقي أسرارها طي الكتمان.

في تلك الليلة، لم نعرف إن كنا سنعود كما كنا، أم أن الصحراء قد غيّرتنا للأبد. لقد كنا جزءًا من قصة لم نفهمها، ولم نفهم إن كنا أبطالاً أم ضحايا لتلك الحكاية.

هكذا، مع بزوغ فجر جديد، كنت أتساءل عما إذا كانت الصحراء قد أعطتنا سرها، أم أننا كنا مجرد عابري سبيل في أساطيرها التي لا تنتهي.

قيّم هذه القصة

التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)

شارك القصة (0)

قصص مشابهة من قصص الصحراء