الضباب الليلي: بين الحقيقة والوهم
لطالما سمعت عن الكوابيس التي تُبقي الناس مستيقظين ليالي طويلة، لكنها لم تكن يومًا أكثر من قصص تُروى في مجالس السمر. حتى تلك الليلة المشؤومة، عندما وجدت نفسي في عمق تجربة جعلتني أشك في كل ما كنت أؤمن به.
كل شيء بدأ في ليلة شتوية عاصفة، حيث كان الرياح تعصف بقوة، تصفر في أرجاء القرية الصحراوية النائية حيث أعيش. كانت السماء ملبدة بالغيوم، تُخبئ القمر بعيدًا وراء ستار من الظلام. جلست في غرفتي، محاولاً تجاهل الأصوات التي تُصدرها الطبيعة بالخارج، لكن سرعان ما جذبتني رغبة غريبة للنوم، وكأن شيئًا غير مرئي يدفعني للاستسلام.
لم أكن وحدي؛ كان أخي الصغير، سامر، نائمًا في الغرفة المجاورة. مع مرور الدقائق، شعرت بتلك الضبابية الثقيلة التي تسبق النوم تغمرني ببطء. ولكن في لحظة الانتقال تلك، بين اليقظة والنوم، حدث شيء ما. شعرت ببرودة شديدة تسري في الغرفة، برودة تسرق الدفء من عروقي. حاولت أن أتحرك، أن أستيقظ، لكن جسدي كان مشلولاً، كما لو أنني محبوس في قيد لا مرئي.
بدأت أسمع أصواتًا غريبة، همسات خافتة تتسلل إلى أذني. كانت الكلمات مبهمة، وكأنها تتحدث في لغة غير مفهومة، لكنها كانت تتردد في رأسي بكل وضوح. شعرت برائحة غريبة في المكان، رائحة عطنة، كرائحة الصحراء بعد عاصفة رملية. مع ازدياد الضغط على صدري، بدأت أرى أشكالاً تتحرك في الظلام، ظلالاً تتراقص في حدود رؤيتي.
حاولت أن أتذكر بعض آيات القرآن التي قد تساعدني، لكن عقلي كان مشوشًا، تتصارع فيه الصور والأصوات. في اللحظة التي بدأت فيها أفقد الأمل، سمعت صوتًا آخر، صوت سامر يناديني من الغرفة المجاورة. كان يبكي، صوته مليء بالذعر. "أحمد! هناك شيء في الغرفة!"
بكل ما تبقى لي من قوة، حاولت أن أتحرر من هذا الكابوس، أن أذهب إليه. لكن الظلال كانت تزداد كثافة، لاذعة بوجودها المظلم. شعرت بأني محاط بها، كما لو أنني محاصر في عالم بين عالمين.
في تلك اللحظة، سمعت صوتًا لم أكن أستطيع تفسيره، كأنه زئير نمر في الصحراء المقفرة. ارتعش جسدي ورغبت في الصراخ، لكن الصوت اختفى كما ظهر. شعرت ببرودة شديدة على وجهي، كما لو كان ثلجًا يذوب ببطء على جلدي.
عندما عدت إلى وعيي أخيرًا، وجدت نفسي مستلقيًا على الأرض، جسدي متعرق ومرهق. نهضت ببطء والنور الخافت يشق طريقه إلى الغرفة من خلال النافذة. هرعت إلى غرفة سامر، ووجدته جالسًا على السرير، عيناه محملتان بالدموع.
"لقد كان هنا، أحمد. لقد كان شيئًا، ليس إنسانًا. أنت رأيته، أليس كذلك؟"
هززت رأسي دون أن أجد الكلمات المناسبة. ماذا رأيت؟ هل كان كل شيء مجرد كابوس؟ لكن الألم في صدري والبرد في عظامي كانا حقيقيين.
مرت الأيام، لكن الذكريات لم تختفِ كليًا. في كل ليلة، أستعيد تلك اللحظات، أتساءل عما إذا كان الضباب الليلي سيعود ليحاصرني مرة أخرى. الآن، في كل مرة أغمض فيها عيني للنوم، أتساءل إذا كان هذا العالم الذي نحياه هو إلا كابوس مستمر، وأن الحقيقة تكمن في ذلك الضباب المخيف الذي يختفي مع طلوع الفجر.
قيّم هذه القصة
التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)
شارك القصة (0)