بيت فيليسكا.. لغز لم يُحل

14 دقائق قراءة
80 قراءة
5.0 (1)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

في ليلة بدت هادئة كسائر الليالي، كانت اسرة مكوّنة من ثمانية أشخاص تستسلم للنوم مطمئنة داخل منزلها، غير مدركة أن ساعات الفجر ستكتب نهاية مأساوية لحياتها. فقد هاجمهم قاتل مجهول، وأنهى حياتهم جميعًا بفأس في واحدة من أبشع المجازر التي عرفها التاريخ الأمريكي.

ولم يكن الرعب مقتصرًا على الجريمة نفسها، بل امتد إلى المنزل الذي شهدها، إذ ظل، حتى يومنا هذا، محاطًا بحكايات غامضة جعلته يُصنَّف بين أشهر المنازل المسكونة في العالم.

تبدأ أحداث هذه القصة في التاسع من يونيو عام 1912، في بلدة أمريكية صغيرة تُدعى فيليسكا، لم يكن يتجاوز عدد سكانها آنذاك ألفين وخمسمائة نسمة.

كانت بلدة هادئة يعرف سكانها بعضهم بعضًا، ولم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى مسرح لجريمة ستظل لغزًا لأكثر من قرن.

كانت عائلة مور تعيش حياة بسيطة ومستقرة، وتتألف من الأب جوسايا مور، والأم سارة مور، وأبنائهما الأربعة: هيرمان، البالغ أحد عشر عامًا، وماري ذات العشر سنوات، وآرثر، الذي لم يتجاوز السابعة، وأصغرهم بول، البالغ خمس سنوات.

وفي مساء ذلك اليوم، استعدت سارة مع أسرتها لحضور فعالية كنسية عُرفت باسم برنامج يوم الأطفال، والتي بدأت قرابة الساعة الثامنة مساءً واستمرت حتى التاسعة والنصف ليلًا.

وعقب انتهاء الاحتفال، كانت ماري برفقة صديقتيها، إينا ستيلينغر، البالغة ثماني سنوات، وشقيقتها لينا ستيلينغر، ذات الاثنتي عشرة سنة.

ولما كان الليل قد أرخى سدوله، وخيّم الظلام على البلدة، دعت ماري الفتاتين لقضاء الليلة في منزلها، خوفًا عليهما من العودة وحدهما.

وبعد أن استأذن الأب والديهما، وافقا على ذلك، فعادت الفتاتان مع العائلة إلى المنزل، وانقضت الليلة في ظاهرها هادئة، لا توحي بما سيحدث بعد ساعات قليلة.

ومع بزوغ شمس اليوم التالي، خرجت الجارة ماري بيكهام إلى فناء منزلها لنشر الغسيل، ولاحظت أمرًا غير مألوف؛ إذ لم يخرج أحد من أفراد عائلة مور، ولم تُفتح النوافذ كما جرت عادتهم كل صباح. أثار ذلك قلقها، فتوجهت إلى المنزل وطرقت الباب مرارًا، لكنها لم تتلقَّ أي جواب.

حاولت فتح الباب، لكنه كان موصدًا بإحكام. ولأنها كانت تعرف الروتين اليومي للأسرة، قامت بإطعام الدجاج، ثم سارعت إلى الاتصال بشقيق الأب، روس مور، طالبةً منه الحضور للاطمئنان على العائلة.

وصل روس على عجل، وراح يطرق الباب وينادي بأسماء أفراد الأسرة، غير أن الصمت كان سيد الموقف. حاول النظر عبر النوافذ، إلا أن الستائر المسدلة حجبت الرؤية تمامًا.

وأخيرًا، أخرج المفتاح الاحتياطي الذي كان بحوزته، وفتح الباب بيدٍ مرتجفة. وما إن خطا خطواته الأولى داخل المنزل، حتى تجمد في مكانه من هول ما رأى؛ فقد كانت جثتان غارقتان في الدماء داخل غرفة الضيوف، وقد غُطِّيتا بملاءة، فيما كانت آثار الدماء تملأ المكان في مشهد بدا وكأنه مجزرة لا يمكن للعقل استيعابها.

لم يحتمل روس هول الصدمة، فغادر المنزل مسرعًا دون أن يواصل تفقد بقية الغرف، وسارع إلى إبلاغ السلطات، طالبًا إرسال مسؤول البلدة، هنري هورتون، بعدما أدرك أن كارثة مروعة قد وقعت داخل ذلك المنزل.

وصل مسؤول البلدة، هنري هورتون، إلى المنزل قرابة الساعة الثامنة والنصف صباحًا، وما إن عبر عتبته حتى بدأ يتفقد المكان الذي تحول، خلال ساعات قليلة، إلى واحد من أبشع مسارح الجرائم في تاريخ الولايات المتحدة.

كانت أولى الملاحظات التي استوقفت انتباهه طبقًا من الطعام لا يزال على مائدة المطبخ، وكأن صاحبه لم يُمهل حتى لتناول آخر لقمة. وإلى جواره وُجد وعاء يحتوي على ماء اختلط بالدم، في مشهد زاد المكان رهبة وغموضًا.

لكن أكثر ما أثار دهشة المحققين أن جميع مرايا المنزل كانت مغطاة بالأقمشة، دون استثناء. لم تكن هناك مرآة واحدة أو سطح عاكس مكشوف، حتى زجاج الأبواب أُخفي خلف قطع من القماش، وكأن القاتل أراد أن يحجب كل انعكاس داخل ذلك المنزل.

ومع استمرار المعاينة، تكشفت فصول المأساة تباعًا. فقد عُثر على جميع أفراد العائلة، إضافة إلى الطفلتين اللتين قضتا الليلة ضيفتين في المنزل، وقد فارقوا الحياة جميعًا. وكانت أداة الجريمة، وهي فأس، لا تزال مسندة إلى أحد جدران المنزل، في مشهد بدا وكأنه تحدٍّ صامت تركه القاتل خلفه.

وبالقرب من الفأس، وُجدت قطعة من لحم الخنزير المقدد، ملفوفة بقطعة قماش، يناهز وزنها كيلوغرامين، دون أن يجد المحققون أي تفسير لوجودها في ذلك الموضع.

كانت الطفلتان تنامان في غرفة الضيوف، وهي الغرفة التي احتوت الفأس وقطعة اللحم، بينما كان أفراد الأسرة موزعين على غرف النوم الأخرى.

وأثناء الفحص الدقيق، اكتشف المحققون آثار ضربات بالفأس في السقف الخشبي للغرف، كما تناثرت شظايا الخشب فوق الأسرة، مما أوحى بأن القاتل لم يوجه ضرباته إلى ضحاياه فحسب، بل تعمد أيضًا ضرب السقف، في تصرف غريب لم يجد له أحد تفسيرًا.

أما مشهد الوالدين، فكان من فرط بشاعته يفوق الوصف. فقد تعرضت الأم سارة مور لتحطيم مروّع في وجهها حتى غدت ملامحها شبه مطموسة، بينما تناثرت بقايا الأنسجة في أنحاء الغرفة.

أما الأب جوسايا مور، فقد تحطم فكه بالكامل تحت وطأة الضربات، وانتشرت شظايا العظام والأنسجة حوله في مشهد صادم.

وأظهرت التحقيقات أن القاتل لم يستخدم الحد الحاد للفأس، بل تعمد استخدام جانبه غير الحاد، وهو ما ضاعف من قسوة الجريمة ووحشيتها.

وكشف تقرير الطب الشرعي أن كل ضحية تلقت ما بين عشرين وثلاثين ضربة، على الرغم من أن ضربة واحدة كانت كافية لإنهاء الحياة، وهو ما عكس مقدارًا مرعبًا من الغضب والحقد اللذين استحوذا على القاتل.

أما الطفلتان الضيفتان، فقد زاد وضعهما غموض القضية. فقد وُجدت لينا وجزء من جسدها متدلٍ خارج السرير، بينما كانت ملابسها الداخلية ملقاة أسفله.

أما شقيقتها، فقد كانت مستلقية إلى جوارها في وضعية غير مألوفة؛ إذ كان وجهها ملتفتًا نحو أختها، بينما اتجه جسدها إلى الجهة المقابلة، وهو ما دفع المحققين إلى الاعتقاد بأن القاتل تعمد ترتيب الجثتين بعد وفاتهما.

ورغم غرابة المشهد، أكد الأطباء الشرعيون أن الفتاتين لم تتعرضا لأي اعتداء جنسي.

ولم ينجُ أي من أطفال عائلة مور؛ فقد لقوا جميعًا المصير ذاته، وقُتلوا بالطريقة نفسها، مستخدمًا في حقهم الجانب غير الحاد من الفأس.

وقف مسؤول البلدة، هنري هورتون، مذهولًا أمام هول المشهد الذي ارتسم داخل المنزل. كان ما يراه يفوق الوصف، حتى إنه خرج مسرعًا وهو يتمتم بصوتٍ امتزج فيه الذهول بالرعب:

«يا إلهي... لقد قُتل شخص على كل سرير في هذا المنزل.»

ثم طلب من روس مور، شقيق الأب، أن يبقى خارج المنزل، بينما انطلق على عجل لاستدعاء الطبيب الشرعي وبقية رجال الشرطة.

لكن قبل مغادرته، ارتكب خطأً لم يكن يدرك أنه سيؤثر في مجريات التحقيق؛ إذ أخبر أحد سكان البلدة بما حدث. ولم تمضِ سوى دقائق حتى انتشر الخبر في أرجاء البلدة الصغيرة انتشار النار في الهشيم، وتحولت همسات الناس إلى حقيقة صادمة: لقد وقعت مجزرة مروعة داخل منزل عائلة مور.

أغلق أصحاب المتاجر أبواب محالهم، وترك الناس أعمالهم، وأخذوا يتدفقون نحو المنزل من كل صوب. وفي أقل من نصف ساعة، احتشد أكثر من مئة شخص حول المكان، وتمكن كثير منهم من دخول المنزل ومشاهدة الجثث بأعينهم.

وسرعان ما عمّت الفوضى. ارتفعت أصوات الصراخ والبكاء، واختلط الذعر بالفضول، بينما كانت الأقدام العابرة تعبث، دون قصد، بأدلة جنائية ثمينة كان من الممكن أن تقود إلى القاتل.

حاول مسؤول البلدة فرض النظام وإبعاد الناس، لكن كلما أخرج مجموعة من المنزل، تسللت مجموعة أخرى إلى الداخل، حتى غدا مسرح الجريمة ساحة تعج بالفوضى.

وحين وصل الطبيب الشرعي برفقة المحققين، شرعوا في فحص المنزل بدقة، ليعثروا في علية المنزل على عقبَي سيجارة. وكان ذلك الاكتشاف كافيًا ليثير احتمالًا جديدًا؛ إذ رجّح المحققون أن القاتل كان مختبئًا في العلية، يترقب عودة الأسرة من الكنيسة قبل أن ينفذ جريمته.

كما أظهرت المعاينات أن أحدًا من أفراد الأسرة لم يستيقظ أثناء وقوع الجريمة، فقد كانوا جميعًا غارقين في نوم عميق.

وأمام هذا المشهد المروّع، بدأت الفرضيات تتوالى. فقد رأى بعض المحققين أن القاتل ربما دسّ مادة مخدرة في طعام الأسرة، ليضمن بقاء الجميع نائمين حتى يفرغ من تنفيذ جريمته.

بينما ذهب آخرون إلى فرضية مختلفة، مفادها أن القاتل وجّه أولًا ضربة قاتلة واحدة لكل ضحية، ثم عاد بعد أن تأكد من وفاتهم، ليسدد إليهم الضربات المتكررة التي كشفت عنها تقارير الطب الشرعي.

غير أن تلك الفرضيات لم تكن أكثر ما حيّر رجال التحقيق، بل كانت التفاصيل الغامضة التي أحاطت بالجريمة هي ما استحوذ على اهتمامهم.

فلماذا غُطِّيت جميع المرايا والأسطح العاكسة بالأقمشة؟

ولماذا تُركت قطعة لحم الخنزير المقدد بجوار الفأس؟

ولأي سبب وُضعت الطفلتان في تلك الهيئة الغريبة؟

وما سر الضربات التي وُجدت في سقوف الغرف؟

وزاد من تعقيد الأمر أن جرائم القتل بالفأس كانت قد شهدت انتشارًا في تلك الحقبة، ولا سيما في الولايات الواقعة على امتداد خطوط السكك الحديدية، حيث لقيت عائلات كاملة مصرعها بالطريقة نفسها.

ومع ذلك، وبرغم التحقيقات المكثفة، لم تتمكن السلطات من تحديد هوية القاتل، على الرغم من ظهور عدد من المشتبه بهم الذين دارت حولهم الشبهات في مراحل مختلفة من التحقيق.

مرّ عامان كاملان، والمحققون يدورون في حلقة مفرغة، دون أن يعثروا على خيط واحد يقودهم إلى القاتل. ومع مرور الأيام، لم تعد الجريمة مجرد قضية جنائية، بل تحولت إلى هاجس يطارد سكان البلدة جميعًا. صار كل فرد يخشى أن تُوجَّه إليه أصابع الاتهام، بينما تبادل الناس الشكوك والظنون، حتى فقدت البلدة هدوءها الذي عُرفت به.

وتلاشى الإحساس بالأمان بين ليلة وضحاها. فبعد يومين فقط من وقوع المجزرة، فرغت متاجر البلدة من الأسلحة النارية بعدما تسابق السكان إلى شرائها دفاعًا عن أنفسهم، وأصبحت الأبواب تُغلق بإحكام مع حلول المساء، ولم يعد أحد يجرؤ على ترك منزله مفتوحًا كما اعتاد في السابق.

وسط هذا الخوف المتصاعد، بدأ المحققون بتتبع أولى خيوط الاشتباه، وكان أول من وقع تحت دائرة الشبهات رجلًا يُدعى فرانك جونز، وهو عضو سابق في مجلس شيوخ ولاية أيوا، وأحد أكثر رجال مدينة فيليسكا نفوذًا وثراءً.

لم يكن اختياره عشوائيًا؛ فقد كان جوسايا مور يعمل لديه في الماضي، قبل أن يترك وظيفته ويؤسس مشروعًا ينافسه، الأمر الذي أشعل خلافات حادة وعداوة بين الرجلين.

ولم تقف الشبهات عند هذا الحد، إذ انتشرت في البلدة شائعات تزعم وجود علاقة بين جوسايا وزوجة ابن فرانك جونز، غير أن تلك المزاعم لم تستند إلى أي دليل، وظلت مجرد أحاديث يتناقلها الناس.

وبناءً على تلك الملابسات، خضع فرانك جونز لتحقيقات مطولة، إلا أن المحققين لم يعثروا على أي دليل يربطه مباشرة بالجريمة.

ومع تعثر التحقيق، برزت فرضية جديدة؛ إذ اعتقد بعض المحققين أن فرانك ربما لم ينفذ الجريمة بنفسه، وإنما استعان بقاتل مأجور.

وسرعان ما اتجهت الأنظار إلى رجل يُدعى ويليام بلاكي، بعدما اشتبهوا في أنه قد يكون ذلك القاتل المأجور.

وجاءت الشبهات بسبب تورطه في قضية أخرى اتُّهم فيها بقتل زوجته وطفله ووالدي زوجته باستخدام فأس، وهي تفاصيل بدت متشابهة على نحو لافت مع مجزرة عائلة مور.

لكن مع تقدم المحاكمة، انهارت تلك الفرضية؛ إذ تمكن ويليام من إثبات أنه لم يكن موجودًا في المدينة وقت وقوع الجريمة الأخرى، كما ثبت أنه لم يكن مرتكبها أصلًا.

ومع ذلك، بقيت هناك مفارقة غريبة أثارت انتباه المحققين؛ ففي تلك الجريمة أيضًا، كانت جميع المرايا والنوافذ قد غُطيت بالأقمشة، تمامًا كما حدث في منزل عائلة مور.

وبعد إعلان براءته، رفع ويليام دعوى قضائية ضد الجهات التي اتهمته، وربح القضية، وحصل على تعويض مالي عما لحق به من ضرر.

ولم تمضِ أشهر قليلة حتى ظهر اسم جديد في قائمة المشتبه بهم، هو هنري مور، الذي لم تكن تربطه أي صلة قرابة بعائلة مور، سوى تشابه الأسماء.

كان هنري رجلًا مشرّدًا، يتنقل بين الولايات بحثًا عن عمل، وقد عمل لفترة في السكك الحديدية، واشتهر بين من عرفوه بأنه لا يفارق فأسه، حتى إنه كان ينام وهي إلى جواره.

وزادت الشبهات عندما أبلغ أحد أصحاب العمل السلطات بأن هنري أخبره سابقًا بأنه كان موجودًا في مدينة فيليسكا وقت وقوع الجريمة، ثم غادرها سريعًا حتى لا يلفت الأنظار.

غير أن التحقيقات كشفت حقيقة مختلفة؛ فقد ثبت بالأدلة أنه لم يكن موجودًا في المنطقة عند ارتكاب المجزرة، بل كان يتسول في مكان آخر، الأمر الذي أدى إلى استبعاده هو الآخر من قائمة المشتبه بهم .

ومع تعثر جميع الخيوط السابقة، برز اسم جديد في دائرة الشبهات، هو القس جورج كيلي .

كان جورج كيلي قد هاجر مع زوجته من إنجلترا إلى الولايات المتحدة عام 1904، وعمل واعظًا متنقلًا، يجوب المدن والقرى، متنقلًا بين الكنائس الريفية، يلقي الخطب الدينية ويزور المنازل في مختلف أنحاء البلاد.

وفي الليلة التي سبقت وقوع المجزرة، كان كيلي حاضرًا في المناسبة الكنسية نفسها التي شاركت فيها عائلة مور، وهو ما جعله يدخل دائرة الاهتمام منذ البداية.

غير أن أكثر ما أثار الريبة كان مغادرته البلدة مع بزوغ الفجر، إذ استقل القطار في الساعة الخامسة صباحًا، بعد ساعات قليلة فقط من وقوع الجريمة.

ولم تتوقف الشبهات عند هذا الحد، فبعد مغادرته أخذ يتابع القضية بصورة لافتة، وأصبح يراسل السلطات باستمرار، مستفسرًا عن آخر تطورات التحقيق، وكأنه يعيش تفاصيلها لحظة بلحظة.

ورأى بعض المحققين أن هذا الاهتمام المبالغ فيه لا يمكن تجاهله، فقرروا استدعاءه للتحقيق.

وخلال الاستجواب، أدلى كيلي برواية أثارت كثيرًا من الاستغراب. فقد زعم أنه مرّ ليلًا بالقرب من منزل عائلة مور، وادعى أنه سمع صوت ضربة فأس تنبعث من داخله.

ثم أضاف أنه رأى القاتل يتوقف عن تنفيذ الجريمة عندما سمع صوت زوجين يمران بجوار المنزل، فخرج إلى الشرفة وانتظر حتى ابتعدا، قبل أن يعود مرة أخرى إلى الداخل ليكمل ما بدأه.

لكن تلك الرواية بدت للمحققين مليئة بالتناقضات، ولم يقتنعوا بها، فقرروا احتجازه عام 1917، أي بعد مرور خمس سنوات على المجزرة.

ظل كيلي رهن الاحتجاز عامًا كاملًا، وخلال تلك الفترة خضع لاستجوابات متواصلة، تعرض فيها لضغوط شديدة من ثلاثة محققين كانوا يسعون بكل الوسائل إلى انتزاع اعتراف منه.

وفي إحدى جلسات التحقيق، نطق بعبارة غامضة أشعلت القضية من جديد، إذ قال:

«لقد أمرني الله أن أفعل ذلك.»

اعتبر المحققون تلك الكلمات اعترافًا صريحًا، غير أن كيلي ما لبث أن تراجع عنها عندما اشتدت الضغوط عليه، وأنكر تمامًا أي صلة له بالجريمة.

وأُحيل إلى المحاكمة مرتين، لكن في كلتا المرتين انتهت القضية بالحكم ببراءته، بعدما عجز الادعاء عن تقديم دليل واحد يثبت تورطه.

وخلال جلسات المحاكمة، لاحظ أعضاء هيئة المحلفين وجود كدمة واضحة على وجهه، ورجحوا أنها نتيجة لسوء المعاملة التي تعرض لها أثناء التحقيق.

كما كشفت التقارير لاحقًا أنه كان يعاني اضطرابات نفسية، إضافة إلى أنه كان قصير القامة، ضعيف البنية، هادئ الطبع، وهي صفات جعلت كثيرين يستبعدون قدرته الجسدية على قتل ثمانية أشخاص بتلك الوحشية مستخدمًا فأسًا ثقيلًا.

واليوم، وبعد مرور أكثر من قرن على تلك الليلة الدامية، لا يزال الجاني مجهولًا، وما زالت الأسئلة التي حيّرت المحققين منذ البداية بلا إجابة.

لماذا غُطِّيت جميع المرايا داخل المنزل؟

ولماذا تُركت قطعة لحم الخنزير المقدد بجوار الفأس؟

ولأي سبب رُتبت بعض الجثث بتلك الهيئة الغامضة؟

أما المنزل الذي شهد تلك المجزرة، فلم يبقَ مجرد مسرح لجريمة مروعة، بل تحول مع مرور الزمن إلى واحد من أشهر المنازل في الولايات المتحدة، ليس بسبب ما وقع بين جدرانه فحسب، وإنما أيضًا بسبب الروايات الغامضة التي ارتبطت به على مر السنين.

فبعد وقوع الجريمة، أُغلق المنزل، ثم انتقلت ملكيته إلى عدد من الأشخاص، إلا أن أحدًا منهم لم يستطع الإقامة فيه فترة طويلة، إذ كانوا يؤكدون أنهم يشاهدون أو يسمعون أمورًا غريبة لا يجدون لها تفسيرًا.

ومع مرور الوقت، تُرك المنزل على حاله، وتحول إلى مقصد يقصده الزوار من مختلف الأماكن، ليظل شاهدًا صامتًا على تلك المذبحة المروعة، وحتى تبقى ذكراها حاضرة رغم مرور السنين.

ويزعم كثير ممن دخلوا المنزل أنهم سمعوا أصوات أطفال يركضون في أروقته، أو همسات خافتة تنبعث من غرف النوم، على الرغم من خلو المكان تمامًا من أي شخص.

كما أكد عدد كبير منهم أنهم شعروا، أثناء تجولهم داخله، بوجود شخص يقف خلفهم، إلى جانب أبواب ونوافذ تُفتح وتُغلق من تلقاء نفسها، فضلًا عن مشاهدتهم أشباحًا أو صورًا لأطفال تظهر للحظات ثم تختفي فجأة.

وعلى امتداد السنوات، زارت المنزل فرق متخصصة في دراسة الظواهر الخارقة، مزودة بأجهزة تسجيل وتصوير، وأعلن بعض أفرادها أنهم تمكنوا من تسجيل أصوات غريبة لم يتمكنوا من تفسير مصدرها.

ومن أكثر الحوادث غرابة ما وقع عام 2014، عندما دخل أحد المهتمين بظواهر ما وراء الطبيعة إلى المنزل وهو يحمل سكينًا، رغم تحذيره مسبقًا من إدخالها.

وقال إنه أراد تحدي الأرواح التي يُعتقد أنها تسكن المكان.

وبحسب روايته، فما إن دخل المنزل حتى رأى وميضًا خاطفًا من الضوء، ثم فقد وعيه.

وحين استعاد وعيه، وجد نفسه في المستشفى مصابًا بطعنة من السكين نفسها التي كان يحملها، من دون أن يعرف كيف حدث ذلك.

أما الشرطة، فلم تقتنع بهذه الرواية، ورجحت أنه ربما طعن نفسه عن طريق الخطأ.

ولا يزال المنزل، حتى يومنا هذا، يستقبل الزوار على مدار العام، وقد أصبح من أشهر المنازل التي ارتبطت بقصص وروايات عن الظواهر الخارقة، سواء في الولايات المتحدة أو على مستوى العالم.

ومع ذلك، تبقى هذه الروايات مجرد ادعاءات وتجارب شخصية لم تثبتها الأدلة العلمية، كما أن كثيرًا من الزوار لم يشاهدوا أو يسمعوا أيًا من تلك الظواهر.

أما الحقيقة التي لا خلاف عليها، فهي أن هذا المنزل شهد عام 1912 واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الأمريكي، حين قُتل ثمانية أبرياء بوحشية، في جريمة لم يُكشف مرتكبها حتى اليوم، لتبقى واحدة من أكثر القضايا غموضًا وإثارة للحيرة عبر التاريخ.

م

بقلم

محمد عبد الرزاق ابراهيم

كاتب مساهم في موقع قصص رعب

قيّم هذه القصة

التقييم: 5.0 من 5 (1 تقييم)

شارك القصة (0)

قصص مشابهة من قصص بيوت مسكونة

قصص بيوت مسكونة

أصوات الليل في بيت الجدة

عند زيارتنا لمنزل الجدة القديم في قلب القرية النائية، لم نكن ندرك أن الليلة ستكون شاهدة على أسرار دفينة لا يمكن تفسيرها.

12884.0
قصص بيوت مسكونة

الغرف التي تتهامس

ضربتني الرائحة أولاً—الهيل والتحلل، كأن أحدهم يغلي القهوة في فم جثة. وقفت في مدخل بيت جدي في عمان، أشاهد حبيبات الغبار ترقص في الضوء الذهبي، وأدرك أن بعض البيوت تتذكر كل شيء—كل صلاة، كل خطيئة، كل قطرة دم.

11265.0
قصص بيوت مسكونة

المحراب ينحني نحو الغرب

يحين الأذان عند غروب الشمس الآن، عندما يجب أن يكون عند الفجر. أقف أمام المحراب المتهاوي في مسجد الغرباء، أراقب ابني خليل يسجد نحو الاتجاه الخاطئ. لقد مضى على وفاته ثلاثة أسابيع، لكنه هنا، يبتسم بكثرة أسنانه، يرحب بي بالعودة إلى القرية التي أقسمت ألا أعود إليها.

6445.0
قصص بيوت مسكونة

صوت يُنادي في الليل

تردد صوت الأذان لصلاة المغرب من المسجد المهجور، رغم أن الحاج محمود كان يعلم أن المئذنة صامتة منذ سبع سنوات. الصوت كان جميلاً ومألوفًا، لكنه دعا باسم محمود، يأمره بالعودة إلى المنزل. بعض الأصوات لا يجب الرد عليها.

3504.1