العرق الداكن

5 دقائق قراءة
120 قراءة
0 (0)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

البيت لم يكن مرعباً، كان مقرفاً فقط. طلاء أصفر باهت يتقشر عن الجدران مثل جلد ميت لـمريض، ونوافذ خشبية قديمة تحتاج لأن تضربها بركبتك حتى تنغلق. استأجرته لأنني كنت مفلساً تماماً. بعدما طردتني شركة الهندسة، تحول حسابي البنكي إلى نكتة سمجة، وكان هذا الجحر في أطراف المدينة هو خياري الوحيد لتجنب النوم في الحديقة العامة.

​في زاوية المطبخ، خلف باب السقيفة المخلوع الذي تفوح منه رائحة العفن، كانت هناك طاولة. لم تكن خشبية أو بلاستيكية، بل عبارة عن بلاطة رخام ضخمة، سميكة، ولونها رمادي غريب يتخلله عروق حمراء داكنة تشبه الجلطات الدموية المتيبسة. الشيء المقلق فيها لم يكن شكلها، بل برودتها. الطقس كان خانقاً في آب، والرطوبة تكاد تخنق الأنفاس، لكنك لو وضعت كفك على ذلك الرخام، ستشعر بوخزة صقيع كأنك تلمس جدار ثلاجة موتى.

​حاولت دفعها لأوفر مساحة لغسالتي الرديئة، لكنها لم تتزحزح ميليمتراً واحداً. انحنيت لأرى السبب؛ كانت القواعد الحديدية للطاولة مزروعة ومثبتة ببراغي ضخمة صدئة صُبّت فوقها خرسانة الأرضية مباشرة. كأن الأحمق الذي بنى هذا المكان أراد لهذه البلاطة بالذات ألا تغادر الغرفة حتى لو انهار السقف. شتمت حظي، وتركتها في مكانها، واستخدمت سطحها البارد لرمي علب الطلاء القديمة، وفواتير الديون، وبقايا السجائر.

​النبض المكتوم

​بدأ الأمر في الليلة الثالثة. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية والنصف بعد منتصف الليل بقليل. استيقظت على صوت "نقرة" جافة ومنتظمة. طَق... طَق... طَق.

​نزلت من السرير حافياً. برودة الأرض صعدت إلى ركبتي، ومشيت ببطء نحو المطبخ دون أن أصدر صوتاً. كان الظلام شديداً، لكن ضوء الشارع الخارجي الباهت كان يتسلل عبر النافذة ليصنع ظلالاً مشوهة فوق السطح الرخامي. بمجرد أن وطأت قدمي عتبة المطبخ، مات الصوت فوراً. ساد صمت ثقيل لدرجة أنني كنت أسمع حشرجة نفسي.

​اقتربت من الطاولة، ووضعت يدي على الرخام. الصقيع لفح جلدي، لكنني شعرت بشيء آخر جعل شعر بدني يقف؛ كان هناك اهتزاز طفيف جداً، نبض مكتوم وضئيل يأتي من أعماق الحجر نفسه، وكأن هناك قلباً صغيراً محبوساً بالداخل ويحاول التنفس. سحبت يدي بسرعة، وشتمت نفسي بصوت عالٍ لأطرد الخوف. "أنت تنهلوس بسبب قلة النوم والقهوة الرديئة"، قلت لنفسي وعدت للفراش، لكنني لم أنم حتى الصباح.

​الخدوش تنمو

​بعد أسبوع، تأكدت أنني لست مجنوناً. كمهندس، عيني معتادة على رصد القياسات بدقة. أثناء إعداد الشاي، لاحظت أن العرق الأحمر الداكن الذي كان ينتهي في وسط البلاطة، قد زحف بضعة سنتيمترات وصار يلامس الحافة تماماً. ولم يكن مجرد لون؛ حين مررت أصبعي عليه، شعرت بوجود شق ضيق جداً وخشن، كأن الرخام ينفلق ببطء بفعل قوة مرعبة تضغط عليه من الأسفل.

​في ذلك المساء، زارني طارق، صديقي الوحيد المتبقي بعد إفلاسي. جلسنا ندخن ونثرثر، وقادني الفضول لأريه الطاولة. طارق سخر مني كالعادة، ونفث دخان سيجارته وقال وهو يلمس الحجر:

"يا صاحبي، العزلة جعلتك سوداوياً. هذا رخام تجاري رخيص، مليء بالشوائب الكلسية، ومن الطبيعي أن يتأثر برطوبة المطبخ المقرفة فيتمدد وينكمش. لكن للأمانة.. لون هذه العروق مقزز جداً، تبدو وكأن أحدهم ذُبح هنا وتشرّب الحجر دمه".

​حاول طارق، من باب استعراض القوة، أن يدفع الطاولة بكتفه ليثبت لي أنها مجرد جماد. في تلك اللحظة بالذات، صدر من الغرفة صوت مقزز حاد، يشبه صوت تمزق اللحم الحي أو انتزاع ضمادة ملتصقة بجرح رطب. تراجع طارق خطوتين، وتغير لون وجهه إلى الأصفر، ونظر إلى كتفه برعب ثم إليّ. الهواء في المطبخ أصبح فجأة ثقيلاً، ورطباً، وانبعثت رائحة غريبة.. رائحة تراب المقابر المقزز بعد مطر مفاجئ. طارق لم يكمل سيجارته، تحجج بوعكة صحية وغادر ركضاً.

​اللزوجة المتحركة

​الأيام التي تلت ذلك كانت عبارة عن منحدر نحو الجنون. لم أعد أخرج للبحث عن عمل، ولم أعد أفتح الستائر. قاطعت العالم وجلست على كرسي بلاستيكي أمام باب السقيفة, أراقب الرخام وعيوني محاطة بهالات سوداء مخيفة. الشقوق توسعت، وصار بإمكاني رؤية أعماق الحجر. لم يكن هناك إسمنت؛ بل كنت أرى سواداً لزجاً، يتحرك ببطء شديد ويبتلع الضوء.

​وفي ليلة الحادي والعشرين من شباط، ضربت المدينة عاصفة رعدية مجنونة وانقطعت الكهرباء. جلست في العتمة مستنداً إلى جدار المطبخ، ممسكاً بشمعة تذوب ويسيل شمعها الحار على أصابعي دون أن يشعر بالألم.

​فجأة، انقطع صوت الرعد الخارجي تماماً. خيم هدوء مرعب، من النوع الذي يجعلك تسمع حركة السوائل داخل أذنك. ومن قلب هذا الصمت، خرج الصوت مجدداً. لم يكن نقراً هذه المرة. كان صوت سحب.. شيء لزج وثقيل يجر نفسه بصعوبة فوق سطح خشن ومصقول.

​نهضت كالمغيب، ورفعت الشمعة بيد ترتجف بعنف. تقدمت نحو الطاولة، والضوء الأصفر الباهت سقط على الرخام. تمنيت لو أنني مت قبل أن أرى ذلك. الرخام لم يعد حجراً صلباً؛ كان يتحرك. السطح كان يرتفع وينخفض ببطء شديد، وبانتظام، كأنه صدر كائن عملاق نائم يستنشق الهواء تحت الأرض. والشقوق التي كانت مجرد عروق حمراء، تفتحت بالكامل الآن، ومن بينها... تخرج أصابع.

​كانت أصابع رمادية طويلة، طويلة جداً وبلا أظافر، يكسوها جلد كلسي جاف كالملح. الأصابع كانت تتشبث بأطراف الرخام بجهد مرعب، وتحاول سحب بقية الجسد المحشور في ذلك الضيق العتم.

​لست المستأجر

​أردت أن أصرخ، أن أطلق أي صوت يسمعه الجيران، لكن حنجرتي كانت جافة كالعظم، وقدمي شعر وكأنهما صُبّتا داخل الخرسانة مع قواعد الطاولة. كنت مشلولاً تماماً، وعقلي يرفض تصديق ما تراه عيناي.

​انبثق الرأس أخيراً من الشق الأكبر في المنتصف. لم يكن هناك وجه بشر؛ بل كتلة مشوهة من اللحم الرمادي الكلسي. مكان العينين، كان هناك تجويفان غائران مظلمان، يتدفق منهما سائل أسود بارد، ينسكب على سطح الرخام فيصدر صوت فحيح حامضي حاد.

​التفت الشيء نحوي ببطء قاتل. لم يهاجم، ولم يصرخ مثل وحوش الأفلام الرخيصة. الرعب الحقيقي كان في ذلك الهدوء الواثق، هدوء كائن انتظر خلف هذا الحجر لعقود، ويعرف أن ضحيته لا تملك أي مهرب.

​امتدت اليد الرمادية الطويلة، واقتربت من وجهي حتى لامست جبهتي. كانت برودتها لادغة ومؤلمة، برودة جعلت خلايا دماغي تتجمد وتتوقف عن التفكير. وفي تلك اللحظة، لم أسمع صوتاً بأذني، بل شعرت بكلمات تحفر وتتردد مباشرة داخل جمجمته، بصوت حاد يشبه تكسر العظام الجافة:

"البيت ليس مؤجراً لك... أنت المؤجر للبيت. وحان وقت دفع الثمن".

غ

بقلم

غيم

كاتب مساهم في موقع قصص رعب

قيّم هذه القصة

التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)

شارك القصة (0)

قصص مشابهة من قصص بيوت مسكونة

قصص بيوت مسكونة

أصوات الليل في بيت الجدة

عند زيارتنا لمنزل الجدة القديم في قلب القرية النائية، لم نكن ندرك أن الليلة ستكون شاهدة على أسرار دفينة لا يمكن تفسيرها.

12884.0
قصص بيوت مسكونة

الغرف التي تتهامس

ضربتني الرائحة أولاً—الهيل والتحلل، كأن أحدهم يغلي القهوة في فم جثة. وقفت في مدخل بيت جدي في عمان، أشاهد حبيبات الغبار ترقص في الضوء الذهبي، وأدرك أن بعض البيوت تتذكر كل شيء—كل صلاة، كل خطيئة، كل قطرة دم.

11265.0
قصص بيوت مسكونة

المحراب ينحني نحو الغرب

يحين الأذان عند غروب الشمس الآن، عندما يجب أن يكون عند الفجر. أقف أمام المحراب المتهاوي في مسجد الغرباء، أراقب ابني خليل يسجد نحو الاتجاه الخاطئ. لقد مضى على وفاته ثلاثة أسابيع، لكنه هنا، يبتسم بكثرة أسنانه، يرحب بي بالعودة إلى القرية التي أقسمت ألا أعود إليها.

6445.0
قصص بيوت مسكونة

صوت يُنادي في الليل

تردد صوت الأذان لصلاة المغرب من المسجد المهجور، رغم أن الحاج محمود كان يعلم أن المئذنة صامتة منذ سبع سنوات. الصوت كان جميلاً ومألوفًا، لكنه دعا باسم محمود، يأمره بالعودة إلى المنزل. بعض الأصوات لا يجب الرد عليها.

3504.1